presearch
مجتمع

رسالة إلى بيسان

صباح الخير يا صغيرة، صباح الخير يا بيسان، يا عروس العواصم وعاصمة قلوبنا، ستكبرين وستتساءلين حتماً عن معنى اسمك الجميل ولماذا سميناك بهذا الاسم بالذات؟، في يوم مضى خلال أيام حملك، وبالتحديد بعد الشهر الرابع، كنا نبحث عن أسماء مقترحة للإناث بعدما عرفنا من الطبيب الذي كشف على أمكِ خلال الفحص الدوري أنّ مَن تسكُن الرحم أنثى، ولأنني أميل للعتاقة في كل شيء، ولأنني أحبّ المدن التي لا تسكت عن الحديث، لا تنفكّ عن سرد التاريخ وقصص العابرين عليها، ويا لكثرتهم يا أصل العتاقة وجمالها البهي، اخترت «بيسان» هذا الاسم الأعجمي الذي أطلق على مدينة من مدن بيت المقدس في عام 135م؛ فإياكِ يا حبيبتي أن يخدعك قولهم مما ستسمعينه على لسان الروايات الإسرائيلية التي تغيّر من حقائق كثيرة تتعلق بصفاتها، سميناك باسمها؛ ليبقى التاريخ خالداً، والذكريات حاضرة ولتبقَ العاصمة المقدسة الباقية والأبدية فلسطين رغم محاولات الكيان الصهيوني تقسيمها شرقية وغربية، لا عليك الآن يا حبيبتي فحينما تكبرين ستبحثين أنتِ بنفسك وستصلين للحقيقية.

قد صبّحت عليك باسم الخير، صدقاً يا بيسان لا أدري ما هي ماهية الخير هناك في مدينتك التي ولدت فيها حديثاً، وهل هو ذلك الخير المتعارف عليه عالمياً أو دعينا لا نبتعد كثيراً جغرافيا، ما رأيك في إبقاء التساؤل في الجوار أي عربي، لكن ليكن بحسبانك أن هذا لا يمنعك البتة من التخيل كيف يعيش الأطفال تُرى على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط مثلاً، هذا البحر الأزرق الوحيد لمدينتك الاستثنائية، المدينة اليتيمة التي لا تشبه غيرها من المدن، ستعرفين أسباب قولي لهذا.

مُحزنٌ جداً أن نسمع بهذه اللحظات التاريخية كموجز لأهم الأنباء، قصيرٌ وسريع، حتى إنّك لا تلحق التفاعل معه، ليس هناك مجال لعيش التفاصيل، تلك التفاصيل الفريدة التي لا تتكرر دائماً، أعني الدهشة الأولى لوالديكِ وذلك اللمعان المتلألئ إثر الفرح في عيون جديك لا بل هو أقرب للدموع المكدسة التي لا تحتاج سوى غمضةٍ لتندلق، إضافة إلى أنه ليس بإمكاننا حملكِ، لمس خدودك التفاحيّة الناعمة، أو المقارنة بين يدينا وصغر يديكِ، كل هذا صعب المنال فالبلاد فيها  مصطلح حرية التنقل معدوم، ستُطبل أذنك من كثرة الخض في موضوع المعابر، لا بل ستشعرين بالملل والقرف مِن عدم صلاح حاله، غالباً مغلق في وجوه من في الداخل والخارج، وإن فُتح لأيام معدودة خلال عدة أشهر، فالتجارة خير رابحٍ من خلال التنسيقيات مع الجانب المصري، إنّه خانق فعلاً.

رغم ما سردته لك سابقاً، ورغم وجه الحياة الذي فعلياً لا يعتبر وجهاً في مناطق أخرى على هذا الكوكب الواسع، لا تسمحي للمكان بأنْ يفرض عليكِ وجهه للحياة، اسألي عن كل شيء، عن أدق التفاصيل، عما يدور حولك، صدقي ما يستطيع عقلك تحمّله لا الذي يجب عليكِ تصديقه فالحقيقة ثقيلة جداً يا صغيرتي، واللاعبون بها كُثُر، لا تكوني نسخة مكررة وتحرري من القوالب الجاهزة فليس عليكَ أن تشبهي أحداً ولا تُلقي بالاً للأسئلة الكثيرة والمتكررة حول مَن هو أو هي قدوتك، تجاوزيها كلّها حيث ليس شرطاً أن يكون لكِ قدوة، كوني مؤمنة بما تفعلينه واجعلي قلبك وعقلك طريق هُداك، لا تصدقي الشعارات يا حبيبتي فكثيرون سيعتلون المنابر مُدّعين الوطنية وهم خونة وكثيرون سيتحدثون باسم الله؛ ليسلبوا مكانه على الأرض.

كوني على ثقة أنكِ لن تكونين شخصاً عادياً كالبقية فمهما حشرنا في الزاوية، إلا أنّ بيسان لها الأثر الأعظم في تميّزنا.

الوسوم
اظهر المزيد
presearch

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق